X إغلاق
X إغلاق
مراسلة الموقع

ملاحظات حول قرار المحكمة الشرعية بمنع سفر الزوجة

الكاتب: موقع شوف
 | 02-07-2018 - 11:59 | التعليقات: 0
ملاحظات حول قرار المحكمة الشرعية بمنع سفر الزوجة

عجبت من ردود الفعل على قرار محكمة سخنين الشرعية  بمنع سفر زوجة  الى الخارج من خلال قضية نزاع وشقاق , فمنها ما وصف القرار بسابقة عالمية فذّة , ومنها ما وصفه بقرار شرعي متخلف ثم استقطب كل فريق مؤيديه حتى وقعت بالخطأ هيآت وجمعيات وجماعات . والحقيقة هي ان اصدار امر بمنع سفر من هذا القبيل ليس سابقة في المحاكم الشرعية كما انه لا علاقة له بالشريعة لا من قريب ولا من بعيد . نقول هذا مع ان المحكمة قد اضفت على امر المنع هذا هالة من التوجهات الدينية هي اقرب الى الوعظ  منها الى الفقه والقضاء .ولا بدّ امام هذا اللغط  الخَطِر من محاولة  وضع النقاط على الحروف  وحشر الامر في سياقه بشكل مهني من غير مواربة او محاباة .

نقول أولا انه لا يجوز ان نتناسى ان القضية المطروحة امام المحكمة هي قضية تحكيم  بين زوجين منفصلين يعيش كل منهما عند اهله على ما يبدو , وقضية التحكيم معناها طلب احد الزوجين من المحكمة بعث الحكمين وفقا لادعائه باستفحال النزاع والشقاق بينهما الى ان استحالت بينهما الحياة الزوجية , فاذا اقتنعت المحكمة بمصداقية الطلب امرت ببعث الحكمين وكلفتهما بالصلح بين الزوجين , فان تعذر فلهما التفريق بينهما . معنى ذلك ان الادعاء مبني على ما يدعيه المدعي من وقائع حاصلة لا ما سيكون منهما في المستقبل . من هذا يفهم ان المحكمة لا تعتبر سلوك ايٍ منهما في المستقبل كجزء من اعتباراتها لفرض القرار ببعث الحكمين , وانما ما هو حاصل من وقائع بينهما  لغرض الاستدلال بتوفر اركان حالة النزاع والشقاق ام لا . ان المحكمة هيأة قضائية تقضي بناء على الوقائع والحجج وفق احكام شرعية مثبتة ومبادئ محددة سلفا اصلها في مصادر التشريع , لا بالأهواء  والعواطف او بما يرضاه او " لا يرضاه احد من المسلمين"  او خوفا من " فقدان السواد الأعظم من جمهورنا " كما قال القرار .

ثم جاء طلب وكيل الزوج لاستصدار امر بمنع سفر المرأة الى خارج البلاد الى طابا على ما يبدو  - وانا لا ادري ما هو تعليل صاحب الطلب وكيف كيّفه الا ان قرار المحكمة يبين انه لم يسببه بادعاءات معقولة من شأنها ان تتغلب على حقٍ أساسٍ للإنسان بالحركة والانتقال ,  كما لم يبين لماذا يرى ان  سفرها هذا جدير بالمنع, اما لو كان الى ايلات او الى أي مكان داخل البلاد فهذا لا غبار عليه ولم يطلب ان يحيطه امر المنع .

وكي يعلم القاصي والداني انه لا شأن بالشريعة في هذا الامر كما لاشأن بحقوق او مكانة  المرأة فيه , ذلك لان أوامر المنع قد تصدر من حيث المبدأ ضد رجل او ضد امرأة او قاصر- وهذا الامر بالذات لم يفِ بالشروط الشرعية  ولم يعتمد عليها  كما انه لم يفِ بالشروط القانونية ولم يعتمد عليها - الامر الذي يجعل ردود الفعل النسوية  المتشنجة والإسلامية الغاضبة  لا طائل تحتها أصلا وسأبين ذلك فيما يلي  تفصيلا .

 ان اصدار امر بمنع سفر المدعى عليه وارد في الشريعة الإسلامية ولكن لا بشأن زوجة خاصمت زوجها ولجأت الى أهلها اثر نزاع بينهما وانما في سياق حقوق المدعي المالية  , أي اذا كان للمدعي على المدعى عليه مال يُخشى ضياعه اذا سافر ولم يعد . قال ابن قُدامة المقدسي : " وجملة ذلك ان المدعى عليه بالدَّين اذا أراد السفر واراد غريمه منعه , نَظَرنا فان كان محل الدين ( أي موعد السداد م.ن) قبل محل قدومه من السفر مثل ان يكون سفره الى الحج لا يقدم الا في صَفَر ودَيْنه يحل في المحرّم او ذي الحجة فله منعه من السفر لان عليه ضررا في تأخير حقه عن محله , فان أقام ضمينا مليئا او دفع رهنا يفي بالدَّين فله السفر لان الضرر يزول " ( ابن قدامة المقدسي , المغني والشرح الكبير ج4 ص548-549 ). من هذا يُستدل ان المعيار لإصدار الأمر ليس الهدف من السفر او نوع السفر سواء كان للاستجمام او للتعبد او ما اذا كان لها  فيه " مصلحة معتبرة " او ما اذا كان هذا " يرضى به احد من المسلمين " كما قال  , وانما  المعيار هو اعتبار إمكانية حصول الضرر على صاحب الحق بضياع المال جراء هذا السفر , حتى لو كان السفر الى الحج .

لذلك فان المسألة التي امام المحكمة هي باي مدى يؤثر سفرها او سفره  على حقوق الطرف الثاني المالية في حال حُكم بها من المحكمة. ومع اننا نفهم تماما ان سلوك البعض منا رجالا ونساءً  قد لا يروق لنا ولا يتفق مع عاداتنا وتقاليدنا  ولا حتى مع ديننا , ولكنه لا يشكل دائما علة للقضاء فيه او انه خارج عن اختصاص القاضي او انه خارج عن حدود القضية المطروحة امامه  .فليس كل مسلك في حياة الفرد موضوعا للقضاء ,فأمور العقوبات كلها ليست من اختصاص القضاء الشرعي في هذه البلاد وكذا شؤون الاداب العامة.  والقضاء بخلاف الدعوة والوعظ  منوط بالاختصاص المحدود الذي حدده له السلطان كما بينت ذلك المادة 1801 من مجلة الاحكام العدلية الإسلامية :" القضاء يتقيد ويتخصص بالزمان والمكان واستثناء بعض الخصومات .. فله ان يسمع الدعاوى الماذون بها فقط وان يحكم بها وليس له سماع ما عداها والحكم به . .." .  اذاً القاضي ليس وكيلا للسلطان بالحكم بكل شيء كالحدود مثلا . ومثاله اذا أُحضر اليه زانٍ هل يستطيع حاكم الشرع عندنا ان يقضي بإقامة الحد علية مع انها كبيرة من الكبائر ؟؟ من هنا وبعد ان علمنا ماهية العمل القضائي الشرعي الى جانب أحوال إعطاء امر منع سفر من الوجهة الشرعية  فان علينا ان نتساءل  هل اعطى القانون العثماني صلاحية للقاضي بإصدار امر منع سفر كهذا ؟

ان المرجع لهذا التساؤل هو قانون أصول المحاكمات الشرعية لسنة 1333 مالية , والذي يقلّب هذا القانون مرارا وتكرارا لا يجد لهذا الامر ذكرا لا من قريب ولا من بعيد  . لقد اعتقدت المحاكم خطأً وعلى مدى سنين طويلة ان المادة 39 التي تحيل الى قانون أصول المحاكمات الحقوقية هي قارب النجاة لهذا التساؤل الا ان هذا وهمٌ لا أساس له  . قالت المادة المذكورة : " تجري في المحاكم الشرعية أيضا احكام قانون أصول المحاكمات الحقوقية وذيله  فيما يتعلق باعطاء الامر بالاجراء المؤقت " , فظن القضاة خطأً ان معنى " الامر بالإجراء المؤقت " هو الامر بالتدبير المؤقت( סעד זמני ) , وهذا خطأٌ فادح . لقد ورد هذا اللفظ في قانون اصول المحاكمات الشرعية كعنوان لفصل ثم جاءت تحته 6 مواد ( من 40 – 46) ,  تتحدث كلها عن الاعتراض على القرارات الغيابية وكيفية العمل اذا حضر او غاب المعترض على الحكم الغيابي , أي ان موضوع الفصل كله هو التنفيذ وليس التدابير الوقتية , معنى ذلك ان مدلول لفظ " القرار بالاجراء المؤقت " هو الامر بالتنفيذ , ومن هنا جاء مصطلح "دائرة الاجراء" بمعنى تنفيذ القرارات . اذاً ليس التدابير المؤقتة هي المقصودة هنا كما بمدلولها الوارد في ملحق المادة 66 من قانون أصول المحاكمات الحقوقية  العثماني المذكور , لان المشرع العثماني حين قصد  في هذا الملحق " التدابير " قال : "القرار الموقت" ولم يقل"الاجراء المؤقت ". من ناحية أخرى  فان المشرع العثماني لو شاء إعطاء صلاحية كهذه للمحكمة الشرعية  لذكرها صراحة كما فعل مثلا بالنسبة للحجز الاحتياطي سواء في قانون أصول المحاكمات الشرعية (المادة 58 ) او قانون أصول المحاكمات الحقوقية ( الباب التاسع ) .

وغني عن الإشارة أيضا الى ان المادة 150 من قانون الحقوقية تبين هي الأخرى المقصود من مصطلح " الاجراء الموقت " حيث قالت مثلا : "لا يجوز اجراء الحكم الغيابي .." ولما الغيت واستبدلت بالمادة 20 من الذيل قالت هي الأخرى  :" ان الاحكام الصادرة ....من الحاكم هي واجبة الاجراء .. " أي التنفيذ وليس الاجراء بمعنى  " التدبير " أي  "סעדי זמניים " ومثلها المادتان 152 و 154 من القانون ذاته .

يفهم من هذا كله ان المقصود بالمادة 39 المذكورة وبلفظ " اجراء " او " اجراي " بالتركية العثمانية - هو التنفيذ وليس التدبير .

لذلك قالت محكمة الاستئناف الشرعية في حينه وبعد ان لم تجد نصا صريحا يخول المحكمة الشرعية بهذه الصلاحية  ان  اصل صلاحية القاضي الشرعي في البلاد  بإصدار امر منع  سفر هو من صلاحيتها الطبيعية أي ما يسمى بالانكليزية

 - סמכות טבועה . Inherent Jurisdiction

 (انظر قرار رقم 247/98 الرئيس  د. احمد الناطور كصفته انذاك ) .

الا ان محكمة  الاستئناف ذاتها قد اشترطت لاعطاء امر منع السفر شروطا لا بد من توفرها  من اجل توازن الحقوق وعدم الاضرار باي من الخصمين وهي ان يكون السفر مؤديا الى عرقلة السيرورة القضائية  في الدعوى المنظورة او ان يكون المدعى عليه ينوي الفرار الى غير رجعة او السفر الى امد بعيد – الامر الذي يفوّت على المدعي امكانية الحصول على حقه فيما لو حكمت له المحكمة به عليه , ومع ان  الشريعة قد اشترطت هي الأخرى بعض الشروط  الواجب توفرها كما اسلفنا وأوردها ابن قدامة في سياق الخصومات المالية  فان محكمة  الاستئناف كانت تعي ان ما ذكرته من شروط لاصدار امر منع سفر هي  ذاتها التي يشترطها قانون المحاكم الدينية ( الزام الانصياع وسبل التقاضي ) الإسرائيلي لسنة 1956  , وهي تلك الواردة في المادة 7ب من القانون , حيث قالت محكمة الاستئناف :

" من هنا فإنما ينبغي فحصه هو ما إذا كانت هناك خشية حقيقية جدية في نية المدعى عليه المغادرة إلى الأبد أو لمدة طويلة، وما إذا كانت مغادرة المدعى عليه البلاد لو حصلت ستؤدي فعلاً إلى عرقلة السير في دعوى المدعي الأساس أو تنفيذ القرار الذي قد يصدر فيها، فإنْ أتى المدعي بأدلة أو قرائن أولية من شأنها إيصال المحكمة إلى قناعة بتوفر هذه الخشية، يجاب إلى طلبه شريطة أن تقوم المحكمة أولاً التحري عن سبل بديلة تكون أقل ضرراً على المدعى عليه.  وبالعود إلى الحال المطروح أمامنا يلاحظ أن المستأنف ضدها كانت قد أسندت طلبها إلى ادعاءين أساسين : الأول – محاولة عرقلة دعوى التحكيم المقدمة من طرفها.  الثاني – التهرب من دفع حقوقها.  أما بالنسبة للادعاء الأول، فإنّ سفر المستأنف ضده، لو تمّ، فإنه لا يقعد المحكمة عن نظر الدعوى.  وأما الادعاء الثاني – وهو التهرب من دفع حقوقها، فلا يخفى أنّ هناك حقوقاً قد تترتب للمدعية على المدعى عليه في حال قبول دعواها والحكم بالتفريق بينهما، وبذا فإنه ينبغي الصيرورة إلى المرحلة الثانية، وهي التحقق من خشية المستأنفة من مغادرة المستأنف ضده البلاد بشكل متواصل أو للأبد" .

(القاضي زيني , قرار استئنافي 2011 /130)

ومن الطريف فعلا ان القضية التي اوردناها هنا مشابهة تماما لقضية السيدة صاحبة القصة الحالية وهي قضية تحكيم ,  الا ان الامر كان مقلوبا حيث ان الزوجة هي التي طلبت منع سفر زوجها بادعاء ان سفره يعرقل سير دعوى التحكيم ويجعله يتهرب من أداء حقوقها , ولما لم تستطع تبيان نية المدعى عليه مغادرة البلاد الى الابد  فلم يكن مجال لاصدار امر كهذا .

معنى ذلك كله ان مصدر الصلاحية باصدار أمر منع سفر ضد أي منهما عائد الى القانون  الإسرائيلي المذكور وبناء على شروطه. ان كان الامر كذلك وحيث ان الامر المتاح شرعا هو ما تعلق بالأموال والدَّين فقط  فان الامر الصادر هنا اذا كان معتمدا الى الشرع فهو لم يفِ بشروطه الشرعية  وان كان معتمدا الى القانون فهو لم يف بشروط القانون - هذا من حيث الموضوع  ,اما من حيث الاختصاص فان القانون العثماني لم يمنح القاضي صلاحية اصدار امر منع سفر ضد أي احد .

معنى ذلك  ان مصدر التخويل الوحيد في الحقيقة هو القانون الإسرائيلي تماما كما هو الامر بالنسبة لاوامر الابعاد – צווי הרחקה والامر بتوقيف من لم ينصَع لامر المحكمة بالحضور ( المادة 1 من القانون ) ولزوم اغلاق جلسات المحكمة الشرعية لتصبح سرية بخلاف القاعدة الواردة في مجلة الاحكام العدلية ( المادة 1815) ومعاقبة المشاغبين في قاعة المحكمة ( المادة 2 من قانون المحاكم الدينية – منع الازعاج – 1965 ) وغيرها كثير .

اذا كان الامر كذلك فان اصدار امر بمنع سفر ضد أي احد رجلا كان ام امرأة, من قبل محكمة شرعية يجب ان يكون خاضعا للشروط التي وضعها القانون  المذكور.  وكما هو مبين فلا علاقة اذاً بين عملية اصدار امر منع السفر وبين الاحكام الشرعية لا من قريب ولا من بعيد مَثَله مَثَل الأحوال التي بيّنتُها أعلاه ومثل امر موظف الشؤون الاجتماعية بتقديم تقرير حول أحوال قاصر او محجور . لذلك فان وصف الامر المذكور بانه جاء حفاظا على الحكم الشرعي ليس فيه من الحقيقة شيء كما انه ليس سابقة قضائية ابدا .فهولا يتعدى كونه محاولة غير موفقة لتطبيق قانون إسرائيلي ليس الا .

ان محاولة  " التعليل  الديني " وطابع الوعظ  "بالمقبول والمرفوض" عرفاً , الذي غلب على القرار القضائي المذكور ليس من شأنه ان يضفي عليه الشرعية  اي ان يجعله شرعيا بمعنى كأنه جاء ليحمي الشرع من الهدم كما قال . ان الموضوع المطروح امام المحكمة لتقضي به هو ليس تهديد الشرع ولا ما اذا كان سفر المرأة مسموحا شرعا ام لا , ولو كان الامر كذلك لما كان للقاضي حق الحكم في ذلك اصلاً, بل هو امر للإفتاء لا للقضاء ,  لان سلطان المسلمين لم يجعل هذه الأمور من اختصاص القاضي بل وضعه لفض الخصومات بين الناس فيما يشجر بينهم في مسائل الأحوال الشخصية المحددة في المادة 7 من قانون أصول المحاكمات الشرعية 1333 الى جانب الإدارة الداخلية للأوقاف المنشأة امام المحاكم ( وفقا للمادة 52 من دستور فلسطين وتعديلها سنة 1939 ) والمواريث على شروط  ( كما قرر قانون المواريث الإسرائيلي لسنة 1965 ) .

ان المسألة المطروحة امامه هي ما اذا كان سفر المرأة يعرقل سير التقاضي او يحبط  قدرة المدعي في نيل حقوقه – المالية , في حال حُكم له بها ليس الا . لذلك وبعد ان ذهبت المحكمة الى ما ذهبت اليه فقد يكون من يتساءل : تُرى - وما دامت المحكمة تَرى ان وظيفتها هنا هي حفظ الاداب العامة فأي فرق  تراه المحكمة الموقرة بين سفر المرأة الى طابة مثلا وبين سفرها الى ايلات مثلا ؟؟ لماذا لم تمنعها من السفر الى أي مدينة سياحية أخرى في الداخل ؟! اليس" المحظور" قائما في الحالين ؟ ؟؟ ثم الا يجوز الافتراض انها ستسافر مع أهلها ومحارمها ؟ ثم اليس معنى هذا القرار غير المكيّف قانونا ان كل زوجة في الدنيا مهددة بصدور امر منع سفر ضدها  حتى لو كان سفرها مع محرم طالما قَدمت او قُدم ضدها دعوى تحكيم ؟  وهل من الانصاف تعليق  مسألة الخشية من "هدم الشرع " والعياذ بالله , في اعناق بناتنا اما الرجال- مهما فعلوا , فهم براء من هذه الفاجعة الجَلل ؟ . لماذا لا يصدرون اذاً أوامر منع سفر ضد كل رجل تقول زوجته عنه انه سيسافر الى بلاد الفسق والفجور وقد يكون بالفعل  فاسقا مارقا يعمل بفسقه على هدم الشرع وهؤلاء لمزيد الأسف كثيرٌ كثير . نحن لسنا مع ان تسافر المتزوجة وحيدة " على حل شعرها" ولكن هذا حديث اخر يجيب عليه الإفتاء فيقول فيه رأي الدين من حيث الحلال والحرام والكراهة ولكنه ليس شأنا قضائيا يُحكم فيه بأمر مانع , وهو على الأقل  خارج عن دعوى طلب  بعث الحكمين  المستندة الى ما شجر بين الزوجين من وقائع فقط  الا اذا كان ذا علاقة عضوية بالحكم وجزءا من الوقائع التامة . مثاله اذا ادعى الزوج ان الزوجة قد سافرت وحيدة رغما عنه وغابت سواء في البلاد او خارج البلاد مما أدى الى قيام النزاع والشقاق بينهما , او ان تدعي هي ان سفره وغيابه  غير المبرّرَين قد أديا الى خلق شرخ ونزاع مستحكم بينهما. هذه كلها – من غير الإفتاء بحلها او حرمتها من مقومات النزاع والشقاق التي قد يستند اليها القاضي في مرحلة بعث او عدم بعث الحكمين . وشتان ما بين هذه الأمثلة والامر الذي نحن بصدده .

ولسنا هنا بحاجة للخوض في مسألة الطاعة وما اسماه الناس خطأً بيت الطاعة- بمعنى اجبار المراة على الرجوع الى بيت زوجها بالقوة  لانه فهم دخيل على الشريعة ولا أساس له أصلا . ان مؤسسة الزواج مبنية على المودة والرحمة, والعقد اصله التراضي والتقاء الارادتين. اما التي تخرج من بيت الزوجية من غير عذر مشروع  فتكون ناشزا لا تستحق النفقة . لذلك قال الفقهاء تؤمر ولا تجبر أي انها تؤمر بطاعة زوجها ولكنها لا تجبر عليها فكل ما هنالك انها تفقد حقها بالنفقة .

من هذا يظهر ان الإعلان المتحمس عن ان هناك سابقة قضائية فذة وانها جاءت لتحمي الشرع من الهدم منجهة  والهجوم على فضيلة القاضي الذي نكّن له الاحترام , وعلى الشرع الحنيف وكأنهما  يقمعان المرأة  من جهة أخرى لا أساس لهما لا من قريب ولا من بعيد . وغني عن الذكر ان مثل هذا الامر غير قادر على الصمود في تقديري , لا امام محكمة الاستئناف الشرعية التي ستقيس ما جرى على  شروطها المقررة في مبادئها القضائية ولا امام المحكمة العليا التي ستقيس ما جرى على نص القانون المذكور .

وانا على ثقة من ان القاضي الذي يصدر الاحكام كل يوم لا يضيره فسخ قرار له هنا او هناك, لانه لا مصلحة شخصية له فيه , بل هو اجتهاده فيما اراه الله , قد يخطئ فيه او يصيب, كما لا شأن له بالاطراف أصلا فان قالت له محكمة الاستئناف ان العدل كذا وليس فيما ذهبت اليه قال لسان حاله فليكن ,  فقد حملتم عني الأمانة وأنا   "  إن اريد الا الإصلاح ما استطعت " . لذلك فليس من علامات التحضر او التحرر  ان تنفلت الالسن على محاكمنا الشرعية التي جهدت فقط  في العقود الأخيرة  شوطا مشهودا في رفعة مكانة المرأة وهذا امر لا يختلف عليه  مؤيد ومعارض كما لا مجال لاتهام الناس بما ليس فيهم .عجبت من ردود الفعل على قرار محكمة سخنين الشرعية  بمنع سفر زوجة  الى الخارج من خلال قضية نزاع وشقاق , فمنها ما وصف القرار بسابقة عالمية فذّة , ومنها ما وصفه بقرار شرعي متخلف ثم استقطب كل فريق مؤيديه حتى وقعت بالخطأ هيآت وجمعيات وجماعات . والحقيقة هي ان اصدار امر بمنع سفر من هذا القبيل ليس سابقة في المحاكم الشرعية كما انه لا علاقة له بالشريعة لا من قريب ولا من بعيد . نقول هذا مع ان المحكمة قد اضفت على امر المنع هذا هالة من التوجهات الدينية هي اقرب الى الوعظ  منها الى الفقه والقضاء .ولا بدّ امام هذا اللغط  الخَطِر من محاولة  وضع النقاط على الحروف  وحشر الامر في سياقه بشكل مهني من غير مواربة او محاباة .

نقول أولا انه لا يجوز ان نتناسى ان القضية المطروحة امام المحكمة هي قضية تحكيم  بين زوجين منفصلين يعيش كل منهما عند اهله على ما يبدو , وقضية التحكيم معناها طلب احد الزوجين من المحكمة بعث الحكمين وفقا لادعائه باستفحال النزاع والشقاق بينهما الى ان استحالت بينهما الحياة الزوجية , فاذا اقتنعت المحكمة بمصداقية الطلب امرت ببعث الحكمين وكلفتهما بالصلح بين الزوجين , فان تعذر فلهما التفريق بينهما . معنى ذلك ان الادعاء مبني على ما يدعيه المدعي من وقائع حاصلة لا ما سيكون منهما في المستقبل . من هذا يفهم ان المحكمة لا تعتبر سلوك ايٍ منهما في المستقبل كجزء من اعتباراتها لفرض القرار ببعث الحكمين , وانما ما هو حاصل من وقائع بينهما  لغرض الاستدلال بتوفر اركان حالة النزاع والشقاق ام لا . ان المحكمة هيأة قضائية تقضي بناء على الوقائع والحجج وفق احكام شرعية مثبتة ومبادئ محددة سلفا اصلها في مصادر التشريع , لا بالأهواء  والعواطف او بما يرضاه او " لا يرضاه احد من المسلمين"  او خوفا من " فقدان السواد الأعظم من جمهورنا " كما قال القرار .

ثم جاء طلب وكيل الزوج لاستصدار امر بمنع سفر المرأة الى خارج البلاد الى طابا على ما يبدو  - وانا لا ادري ما هو تعليل صاحب الطلب وكيف كيّفه الا ان قرار المحكمة يبين انه لم يسببه بادعاءات معقولة من شأنها ان تتغلب على حقٍ أساسٍ للإنسان بالحركة والانتقال ,  كما لم يبين لماذا يرى ان  سفرها هذا جدير بالمنع, اما لو كان الى ايلات او الى أي مكان داخل البلاد فهذا لا غبار عليه ولم يطلب ان يحيطه امر المنع .

وكي يعلم القاصي والداني انه لا شأن بالشريعة في هذا الامر كما لاشأن بحقوق او مكانة  المرأة فيه , ذلك لان أوامر المنع قد تصدر من حيث المبدأ ضد رجل او ضد امرأة او قاصر- وهذا الامر بالذات لم يفِ بالشروط الشرعية  ولم يعتمد عليها  كما انه لم يفِ بالشروط القانونية ولم يعتمد عليها - الامر الذي يجعل ردود الفعل النسوية  المتشنجة والإسلامية الغاضبة  لا طائل تحتها أصلا وسأبين ذلك فيما يلي  تفصيلا .

 ان اصدار امر بمنع سفر المدعى عليه وارد في الشريعة الإسلامية ولكن لا بشأن زوجة خاصمت زوجها ولجأت الى أهلها اثر نزاع بينهما وانما في سياق حقوق المدعي المالية  , أي اذا كان للمدعي على المدعى عليه مال يُخشى ضياعه اذا سافر ولم يعد . قال ابن قُدامة المقدسي : " وجملة ذلك ان المدعى عليه بالدَّين اذا أراد السفر واراد غريمه منعه , نَظَرنا فان كان محل الدين ( أي موعد السداد م.ن) قبل محل قدومه من السفر مثل ان يكون سفره الى الحج لا يقدم الا في صَفَر ودَيْنه يحل في المحرّم او ذي الحجة فله منعه من السفر لان عليه ضررا في تأخير حقه عن محله , فان أقام ضمينا مليئا او دفع رهنا يفي بالدَّين فله السفر لان الضرر يزول " ( ابن قدامة المقدسي , المغني والشرح الكبير ج4 ص548-549 ). من هذا يُستدل ان المعيار لإصدار الأمر ليس الهدف من السفر او نوع السفر سواء كان للاستجمام او للتعبد او ما اذا كان لها  فيه " مصلحة معتبرة " او ما اذا كان هذا " يرضى به احد من المسلمين " كما قال  , وانما  المعيار هو اعتبار إمكانية حصول الضرر على صاحب الحق بضياع المال جراء هذا السفر , حتى لو كان السفر الى الحج .

لذلك فان المسألة التي امام المحكمة هي باي مدى يؤثر سفرها او سفره  على حقوق الطرف الثاني المالية في حال حُكم بها من المحكمة. ومع اننا نفهم تماما ان سلوك البعض منا رجالا ونساءً  قد لا يروق لنا ولا يتفق مع عاداتنا وتقاليدنا  ولا حتى مع ديننا , ولكنه لا يشكل دائما علة للقضاء فيه او انه خارج عن اختصاص القاضي او انه خارج عن حدود القضية المطروحة امامه  .فليس كل مسلك في حياة الفرد موضوعا للقضاء ,فأمور العقوبات كلها ليست من اختصاص القضاء الشرعي في هذه البلاد وكذا شؤون الاداب العامة.  والقضاء بخلاف الدعوة والوعظ  منوط بالاختصاص المحدود الذي حدده له السلطان كما بينت ذلك المادة 1801 من مجلة الاحكام العدلية الإسلامية :" القضاء يتقيد ويتخصص بالزمان والمكان واستثناء بعض الخصومات .. فله ان يسمع الدعاوى الماذون بها فقط وان يحكم بها وليس له سماع ما عداها والحكم به . .." .  اذاً القاضي ليس وكيلا للسلطان بالحكم بكل شيء كالحدود مثلا . ومثاله اذا أُحضر اليه زانٍ هل يستطيع حاكم الشرع عندنا ان يقضي بإقامة الحد علية مع انها كبيرة من الكبائر ؟؟ من هنا وبعد ان علمنا ماهية العمل القضائي الشرعي الى جانب أحوال إعطاء امر منع سفر من الوجهة الشرعية  فان علينا ان نتساءل  هل اعطى القانون العثماني صلاحية للقاضي بإصدار امر منع سفر كهذا ؟

ان المرجع لهذا التساؤل هو قانون أصول المحاكمات الشرعية لسنة 1333 مالية , والذي يقلّب هذا القانون مرارا وتكرارا لا يجد لهذا الامر ذكرا لا من قريب ولا من بعيد  . لقد اعتقدت المحاكم خطأً وعلى مدى سنين طويلة ان المادة 39 التي تحيل الى قانون أصول المحاكمات الحقوقية هي قارب النجاة لهذا التساؤل الا ان هذا وهمٌ لا أساس له  . قالت المادة المذكورة : " تجري في المحاكم الشرعية أيضا احكام قانون أصول المحاكمات الحقوقية وذيله  فيما يتعلق باعطاء الامر بالاجراء المؤقت " , فظن القضاة خطأً ان معنى " الامر بالإجراء المؤقت " هو الامر بالتدبير المؤقت( סעד זמני ) , وهذا خطأٌ فادح . لقد ورد هذا اللفظ في قانون اصول المحاكمات الشرعية كعنوان لفصل ثم جاءت تحته 6 مواد ( من 40 – 46) ,  تتحدث كلها عن الاعتراض على القرارات الغيابية وكيفية العمل اذا حضر او غاب المعترض على الحكم الغيابي , أي ان موضوع الفصل كله هو التنفيذ وليس التدابير الوقتية , معنى ذلك ان مدلول لفظ " القرار بالاجراء المؤقت " هو الامر بالتنفيذ , ومن هنا جاء مصطلح "دائرة الاجراء" بمعنى تنفيذ القرارات . اذاً ليس التدابير المؤقتة هي المقصودة هنا كما بمدلولها الوارد في ملحق المادة 66 من قانون أصول المحاكمات الحقوقية  العثماني المذكور , لان المشرع العثماني حين قصد  في هذا الملحق " التدابير " قال : "القرار الموقت" ولم يقل"الاجراء المؤقت ". من ناحية أخرى  فان المشرع العثماني لو شاء إعطاء صلاحية كهذه للمحكمة الشرعية  لذكرها صراحة كما فعل مثلا بالنسبة للحجز الاحتياطي سواء في قانون أصول المحاكمات الشرعية (المادة 58 ) او قانون أصول المحاكمات الحقوقية ( الباب التاسع ) .

وغني عن الإشارة أيضا الى ان المادة 150 من قانون الحقوقية تبين هي الأخرى المقصود من مصطلح " الاجراء الموقت " حيث قالت مثلا : "لا يجوز اجراء الحكم الغيابي .." ولما الغيت واستبدلت بالمادة 20 من الذيل قالت هي الأخرى  :" ان الاحكام الصادرة ....من الحاكم هي واجبة الاجراء .. " أي التنفيذ وليس الاجراء بمعنى  " التدبير " أي  "סעדי זמניים " ومثلها المادتان 152 و 154 من القانون ذاته .

يفهم من هذا كله ان المقصود بالمادة 39 المذكورة وبلفظ " اجراء " او " اجراي " بالتركية العثمانية - هو التنفيذ وليس التدبير .

لذلك قالت محكمة الاستئناف الشرعية في حينه وبعد ان لم تجد نصا صريحا يخول المحكمة الشرعية بهذه الصلاحية  ان  اصل صلاحية القاضي الشرعي في البلاد  بإصدار امر منع  سفر هو من صلاحيتها الطبيعية أي ما يسمى بالانكليزية

 - סמכות טבועה . Inherent Jurisdiction

 (انظر قرار رقم 247/98 الرئيس  د. احمد الناطور كصفته انذاك ) .

الا ان محكمة  الاستئناف ذاتها قد اشترطت لاعطاء امر منع السفر شروطا لا بد من توفرها  من اجل توازن الحقوق وعدم الاضرار باي من الخصمين وهي ان يكون السفر مؤديا الى عرقلة السيرورة القضائية  في الدعوى المنظورة او ان يكون المدعى عليه ينوي الفرار الى غير رجعة او السفر الى امد بعيد – الامر الذي يفوّت على المدعي امكانية الحصول على حقه فيما لو حكمت له المحكمة به عليه , ومع ان  الشريعة قد اشترطت هي الأخرى بعض الشروط  الواجب توفرها كما اسلفنا وأوردها ابن قدامة في سياق الخصومات المالية  فان محكمة  الاستئناف كانت تعي ان ما ذكرته من شروط لاصدار امر منع سفر هي  ذاتها التي يشترطها قانون المحاكم الدينية ( الزام الانصياع وسبل التقاضي ) الإسرائيلي لسنة 1956  , وهي تلك الواردة في المادة 7ب من القانون , حيث قالت محكمة الاستئناف :

" من هنا فإنما ينبغي فحصه هو ما إذا كانت هناك خشية حقيقية جدية في نية المدعى عليه المغادرة إلى الأبد أو لمدة طويلة، وما إذا كانت مغادرة المدعى عليه البلاد لو حصلت ستؤدي فعلاً إلى عرقلة السير في دعوى المدعي الأساس أو تنفيذ القرار الذي قد يصدر فيها، فإنْ أتى المدعي بأدلة أو قرائن أولية من شأنها إيصال المحكمة إلى قناعة بتوفر هذه الخشية، يجاب إلى طلبه شريطة أن تقوم المحكمة أولاً التحري عن سبل بديلة تكون أقل ضرراً على المدعى عليه.  وبالعود إلى الحال المطروح أمامنا يلاحظ أن المستأنف ضدها كانت قد أسندت طلبها إلى ادعاءين أساسين : الأول – محاولة عرقلة دعوى التحكيم المقدمة من طرفها.  الثاني – التهرب من دفع حقوقها.  أما بالنسبة للادعاء الأول، فإنّ سفر المستأنف ضده، لو تمّ، فإنه لا يقعد المحكمة عن نظر الدعوى.  وأما الادعاء الثاني – وهو التهرب من دفع حقوقها، فلا يخفى أنّ هناك حقوقاً قد تترتب للمدعية على المدعى عليه في حال قبول دعواها والحكم بالتفريق بينهما، وبذا فإنه ينبغي الصيرورة إلى المرحلة الثانية، وهي التحقق من خشية المستأنفة من مغادرة المستأنف ضده البلاد بشكل متواصل أو للأبد" .

(القاضي زيني , قرار استئنافي 2011 /130)

ومن الطريف فعلا ان القضية التي اوردناها هنا مشابهة تماما لقضية السيدة صاحبة القصة الحالية وهي قضية تحكيم ,  الا ان الامر كان مقلوبا حيث ان الزوجة هي التي طلبت منع سفر زوجها بادعاء ان سفره يعرقل سير دعوى التحكيم ويجعله يتهرب من أداء حقوقها , ولما لم تستطع تبيان نية المدعى عليه مغادرة البلاد الى الابد  فلم يكن مجال لاصدار امر كهذا .

معنى ذلك كله ان مصدر الصلاحية باصدار أمر منع سفر ضد أي منهما عائد الى القانون  الإسرائيلي المذكور وبناء على شروطه. ان كان الامر كذلك وحيث ان الامر المتاح شرعا هو ما تعلق بالأموال والدَّين فقط  فان الامر الصادر هنا اذا كان معتمدا الى الشرع فهو لم يفِ بشروطه الشرعية  وان كان معتمدا الى القانون فهو لم يف بشروط القانون - هذا من حيث الموضوع  ,اما من حيث الاختصاص فان القانون العثماني لم يمنح القاضي صلاحية اصدار امر منع سفر ضد أي احد .

معنى ذلك  ان مصدر التخويل الوحيد في الحقيقة هو القانون الإسرائيلي تماما كما هو الامر بالنسبة لاوامر الابعاد – צווי הרחקה والامر بتوقيف من لم ينصَع لامر المحكمة بالحضور ( المادة 1 من القانون ) ولزوم اغلاق جلسات المحكمة الشرعية لتصبح سرية بخلاف القاعدة الواردة في مجلة الاحكام العدلية ( المادة 1815) ومعاقبة المشاغبين في قاعة المحكمة ( المادة 2 من قانون المحاكم الدينية – منع الازعاج – 1965 ) وغيرها كثير .

اذا كان الامر كذلك فان اصدار امر بمنع سفر ضد أي احد رجلا كان ام امرأة, من قبل محكمة شرعية يجب ان يكون خاضعا للشروط التي وضعها القانون  المذكور.  وكما هو مبين فلا علاقة اذاً بين عملية اصدار امر منع السفر وبين الاحكام الشرعية لا من قريب ولا من بعيد مَثَله مَثَل الأحوال التي بيّنتُها أعلاه ومثل امر موظف الشؤون الاجتماعية بتقديم تقرير حول أحوال قاصر او محجور . لذلك فان وصف الامر المذكور بانه جاء حفاظا على الحكم الشرعي ليس فيه من الحقيقة شيء كما انه ليس سابقة قضائية ابدا .فهولا يتعدى كونه محاولة غير موفقة لتطبيق قانون إسرائيلي ليس الا .

ان محاولة  " التعليل  الديني " وطابع الوعظ  "بالمقبول والمرفوض" عرفاً , الذي غلب على القرار القضائي المذكور ليس من شأنه ان يضفي عليه الشرعية  اي ان يجعله شرعيا بمعنى كأنه جاء ليحمي الشرع من الهدم كما قال . ان الموضوع المطروح امام المحكمة لتقضي به هو ليس تهديد الشرع ولا ما اذا كان سفر المرأة مسموحا شرعا ام لا , ولو كان الامر كذلك لما كان للقاضي حق الحكم في ذلك اصلاً, بل هو امر للإفتاء لا للقضاء ,  لان سلطان المسلمين لم يجعل هذه الأمور من اختصاص القاضي بل وضعه لفض الخصومات بين الناس فيما يشجر بينهم في مسائل الأحوال الشخصية المحددة في المادة 7 من قانون أصول المحاكمات الشرعية 1333 الى جانب الإدارة الداخلية للأوقاف المنشأة امام المحاكم ( وفقا للمادة 52 من دستور فلسطين وتعديلها سنة 1939 ) والمواريث على شروط  ( كما قرر قانون المواريث الإسرائيلي لسنة 1965 ) .

ان المسألة المطروحة امامه هي ما اذا كان سفر المرأة يعرقل سير التقاضي او يحبط  قدرة المدعي في نيل حقوقه – المالية , في حال حُكم له بها ليس الا . لذلك وبعد ان ذهبت المحكمة الى ما ذهبت اليه فقد يكون من يتساءل : تُرى - وما دامت المحكمة تَرى ان وظيفتها هنا هي حفظ الاداب العامة فأي فرق  تراه المحكمة الموقرة بين سفر المرأة الى طابة مثلا وبين سفرها الى ايلات مثلا ؟؟ لماذا لم تمنعها من السفر الى أي مدينة سياحية أخرى في الداخل ؟! اليس" المحظور" قائما في الحالين ؟ ؟؟ ثم الا يجوز الافتراض انها ستسافر مع أهلها ومحارمها ؟ ثم اليس معنى هذا القرار غير المكيّف قانونا ان كل زوجة في الدنيا مهددة بصدور امر منع سفر ضدها  حتى لو كان سفرها مع محرم طالما قَدمت او قُدم ضدها دعوى تحكيم ؟  وهل من الانصاف تعليق  مسألة الخشية من "هدم الشرع " والعياذ بالله , في اعناق بناتنا اما الرجال- مهما فعلوا , فهم براء من هذه الفاجعة الجَلل ؟ . لماذا لا يصدرون اذاً أوامر منع سفر ضد كل رجل تقول زوجته عنه انه سيسافر الى بلاد الفسق والفجور وقد يكون بالفعل  فاسقا مارقا يعمل بفسقه على هدم الشرع وهؤلاء لمزيد الأسف كثيرٌ كثير . نحن لسنا مع ان تسافر المتزوجة وحيدة " على حل شعرها" ولكن هذا حديث اخر يجيب عليه الإفتاء فيقول فيه رأي الدين من حيث الحلال والحرام والكراهة ولكنه ليس شأنا قضائيا يُحكم فيه بأمر مانع , وهو على الأقل  خارج عن دعوى طلب  بعث الحكمين  المستندة الى ما شجر بين الزوجين من وقائع فقط  الا اذا كان ذا علاقة عضوية بالحكم وجزءا من الوقائع التامة . مثاله اذا ادعى الزوج ان الزوجة قد سافرت وحيدة رغما عنه وغابت سواء في البلاد او خارج البلاد مما أدى الى قيام النزاع والشقاق بينهما , او ان تدعي هي ان سفره وغيابه  غير المبرّرَين قد أديا الى خلق شرخ ونزاع مستحكم بينهما. هذه كلها – من غير الإفتاء بحلها او حرمتها من مقومات النزاع والشقاق التي قد يستند اليها القاضي في مرحلة بعث او عدم بعث الحكمين . وشتان ما بين هذه الأمثلة والامر الذي نحن بصدده .

ولسنا هنا بحاجة للخوض في مسألة الطاعة وما اسماه الناس خطأً بيت الطاعة- بمعنى اجبار المراة على الرجوع الى بيت زوجها بالقوة  لانه فهم دخيل على الشريعة ولا أساس له أصلا . ان مؤسسة الزواج مبنية على المودة والرحمة, والعقد اصله التراضي والتقاء الارادتين. اما التي تخرج من بيت الزوجية من غير عذر مشروع  فتكون ناشزا لا تستحق النفقة . لذلك قال الفقهاء تؤمر ولا تجبر أي انها تؤمر بطاعة زوجها ولكنها لا تجبر عليها فكل ما هنالك انها تفقد حقها بالنفقة .

من هذا يظهر ان الإعلان المتحمس عن ان هناك سابقة قضائية فذة وانها جاءت لتحمي الشرع من الهدم منجهة  والهجوم على فضيلة القاضي الذي نكّن له الاحترام , وعلى الشرع الحنيف وكأنهما  يقمعان المرأة  من جهة أخرى لا أساس لهما لا من قريب ولا من بعيد . وغني عن الذكر ان مثل هذا الامر غير قادر على الصمود في تقديري , لا امام محكمة الاستئناف الشرعية التي ستقيس ما جرى على  شروطها المقررة في مبادئها القضائية ولا امام المحكمة العليا التي ستقيس ما جرى على نص القانون المذكور .

وانا على ثقة من ان القاضي الذي يصدر الاحكام كل يوم لا يضيره فسخ قرار له هنا او هناك, لانه لا مصلحة شخصية له فيه , بل هو اجتهاده فيما اراه الله , قد يخطئ فيه او يصيب, كما لا شأن له بالاطراف أصلا فان قالت له محكمة الاستئناف ان العدل كذا وليس فيما ذهبت اليه قال لسان حاله فليكن ,  فقد حملتم عني الأمانة وأنا   "  إن اريد الا الإصلاح ما استطعت " . لذلك فليس من علامات التحضر او التحرر  ان تنفلت الالسن على محاكمنا الشرعية التي جهدت فقط  في العقود الأخيرة  شوطا مشهودا في رفعة مكانة المرأة وهذا امر لا يختلف عليه  مؤيد ومعارض كما لا مجال لاتهام الناس بما ليس فيهم .

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ 

صدق الله العظيم

أضف تعليق