X إغلاق
X إغلاق
مراسلة الموقع

"والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"

الكاتب: موقع شوف
 | 12-02-2018 - 20:10 | التعليقات: 0

آفة صعبة ومرذولة، وآفة نود أن نتخلص منها جميعا، ألا وهي كارثة الأذى أو الإيذاء باللسان، يدخل تحت هذا الأذى أنواع كثيرة من المن في الأعطيات، تقول أنا صنعت كذا، أنا فعلت كذا.

الله عز وجل يحذر الذين آمنوا، ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:264).

هذا نوع من الإيذاء، أن تؤذي مشاعر الناس. كثير من الأزواج، إلا من رحمه الله، كل يوم تقريباً، في لسانه دائماً إذا رأى من زوجته أمراً معيناً، يريد أن يؤذيها يقول: أنا سوف أتزوج عليك، أنا سوف... يا أخ الإسلام! أنت لا تريد ولا تنوي؛ فلا داعي لإدخال هذه المشاعر على زوجتك فتخاف منك وتتوجس منك خيفة. الإنسان الذي يريد أن يصنع شيئاً لا يريد أن يعمل حرباً إعلامية حتى يقوم بما يريد. نحن هنا لا نتكلم عن مسألة التعدد هل هي سليمة أو غير سليمة. هذا أمر واضح في كتاب الله عز وجل، لكن نقول أن لا داعي لإيذاء مشاعر الناس، وليكن نصب عين الواحد منا الحكمة المشهورة: "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك".

سبق معنا الكلام عن الغيبة والنميمة، وهي نوع الأذى، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)(الأحزاب:58) .ثم من باب الإيذاء أيضاً أن تشتم وتسب الناس، هذه كلها معانيٍ من معاني الأذى، فالإنسان يجب أن يتقي الله فالمؤمن لا يؤذي أبداً.ومن باب مراعاة الإسلام لمشاعر الآخرين. نهينا إذا جلس ثلاثة أن يتناجى اثنان دون الآخر، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله عز وجل يكره أذى المؤمن. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه ".

ومن عظمة الإسلام وخلقه في المنع من الإيذاء لله عز وجل ورسوله والمؤمنين، ما جاء في حديث السائب بن خلاد، رضي الله عنه، أن رجلاً أم قوماً فبصق في القبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ: "لا يصلي لكم" ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" نعم "، وحسبت أنه قال:" إنك آذيت الله ورسوله"، انظر إلى هذه الدرجة!!

كان النبي –صلى الله عليه وسلم- لا يحب أن يؤذي في أن يسمع شرا عن عائشة, ففي حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت عليه، وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي بنية ألست تحبين ما أحب"؟ فقالت: بلى، قال: " فأحبى هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن لها: ما نراك فعلت من شيء، فارجعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة (أي: تقترب) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها، تسرع منها الفيئة، قالت: فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي، فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم " إنها ابنة أبي بكر". أي: لا تؤذوني فيها".

وشكا بعض الناس العباس، رضي الله عنه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الحديث من رواية عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً وأنا عنده، فقال:" ما أغضبك"؟ قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة وإذا لقونا لقونا بغير ذلك؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه ثم قال:" والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله" ثم قال : " يا أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه" .

ومن أنواع الإيذاء أذى الإنسان للطريق، فإن للطريق آداباً. فالذين يجلسون على قارعة الطريق، على ما ابتلي به المسلمون من القهاوي الممتلئة بها الشوارع، وهي على قارعة الطريق، ويجلس الناس فارغين من كل شيء، لا هم لهم إلا الغيبة والنميمة، والخوض في الأعراض، والكلام عن الفوضى واللغو، هذا الكلام البذيء, ثم ينظرون إلى الذاهب والغادي، والرائح والرائحة، والراكب والماشي، هذا نوع من الأذى والإيذاء، ونحن منهيون عنه.ووصل نوع الإيذاء أيضا ليس باللسان فقط، حتى أن رجلا جاء متأخرا إلى صلاة الجمعة فجلس يفرق بين الصفوف، ويتخطى الصفوف.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: "اجلس فقد آذيت". ومعنى آذيت : أنت تأخرت، ولم تكتف بالتأخر، بل تفرق المسلمين في الصلاة وتؤذي الناس وهم جالسون. وتجد إنساناً آخر يدخل إلى المسجد، وهو، أعزكم الله، ممسك لحذائه بيده، يسقط منه ما يؤذي جموع الناس، أو تتقاطر من يديه آثار الوضوء وتقع على الناس. ليس هذا من الإسلام؛ فالإسلام أحاسيس عظيمة؛ ومن أعظمها: مراعاة شعور الآخرين، فالمسلم كالنحلة إذا أكلت؛ أكلت طيبا، وإن أطعمت؛ أطعمت طيبا، وإذا وقفت على عود لم تخدشه ولم تكسره.انظر إلى الأذى الذي يلحق بالناس عندما تخوض أنت في أعراض الناس، الأذى الذي حدث للنبي صلى الله عليه وسلم ولبيت الصديق في حديث الإفك، واتهام السيدة عائشة، الطاهرة المطهرة بأراجيف الكذب والبهتان؛ لأن الإنسان إذا وقع في أعراض الناس وآذى الناس بالقول، فربما صدق بعض مرضى القلوب بما يقال عن هذه الأسرة أو هذه العائلة، فتكون هذه الكلمات سبباً في هدم أسرة من الأسر، وبيت من بيوت المسلمين. 

فقضية الإيذاء هذه سواء بالقول أو بالفعل يجب أن يشارك المجتمع كله في وقف هذا النوع من التعدي، ومنع أفراده من أن يؤذي أحدٌ أحداً. والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما رأى إيذاءاً من قريش يقول: "رحم الله موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر". وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة.".والمسلمون يحفظون قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره".

حتى وصل الأذى إلى أذى الرائحة، أن من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يدخل المسجد. بعض الناس، هداهم الله تعالى، يدخلون إلى المساجد وربما تنبعث الروائح، أعزكم الله، من أقدامهم، فالإنسان إن لم يجد طيبا فليغتسل وليتوضأ. وبعض الناس، عافانا الله وإياكم، لها رائحة، هذه طبيعتهم، فيجب أن يتغلب عليها بالوضوء لكل صلاة، حتى لا يؤذوا المصلين؛ فإن الملائكة تتأذى من الرائحة الخبيثة. هؤلاء المدخنون، هداهم الله، نسأل الله العفو والعافية، يؤذون الناس بالرائحة السيئة بما يدخنون ويخرجون من أفواههم وأنوفهم، فالملائكة تحب الريح الطيب وتحب الكلام الطيب، ولا تحب الريح الخبيث، ولا تحب رائحة البصل ولا رائحة الثوم، ولا رائحة التدخين. وإن كان الثوم والبصل حلالاً فإن التدخين حرام، ولكن كثيراً من الناس يدخل إلى المسجد وفي جيبه علبة الدخان، وتقع من جيبه وهو يصلي، والناس ينظرون إليه، يا أخ الإسلام اتق الله رب العالمين.

هذه صور من الإيذاء يجب أن يراعيها الإنسان، فالإسلام عبارة عن خلق و أن أدخل السرور على الناس ولا أدخل عليهم الحزن والكآبة علامة على الخيرية. وكان العلماء ينصحوننا ويقولون: إن لم تنفع أخاك المؤمن فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تحزنه، وإن لم تمدحه فلا تذمه. يعني إذا لا تستطيع أن تنفع إنساناً؛ فلا داعي أن تضره طالما أنك لا تستطيع نفعه، وإذا لم تستطع أن تدخل عليه فرحاً فلا تغمه بأخبار سيئة، وتغمه بالإيذاء؛ بالكلام عن فلان وعن فلانة، وإن لم تمدحه فلا داعي أن تذمه وتقول فيه كلاما سيئاً.

ولذلك المسلم في تعامله مع الآخرين يجب أن يتخذ كبير المسلمين أباً وأوسطهم أخاً وأصغرهم ابناً؛ فليبر أباه، وليصل أخاه، وليعطف على ابنه، هكذا يبعد الإنسان نفسه عن الإيذاء.ومن الأذى أن تكذب على أخيك أو على إخوانك، أو تكذب الزوجة على زوجها والزوج على زوجته والجار على جاره. ومن أشد الإيذاء: إيذاء العلماء، وإيذاء كبار السن، وإيذاء الأطفال. وكذلك إيذاء الحيوانات التي لا ناصر لهم، والضعفاء الذين لا ناصر لهم إلا الله عز وجل.

ومن ذلك الأذى: أن تغش في الكلام وفي القول، وتغش في السلعة. وأن تؤذي الناس بأن تكتم شهادة معينة، هذا إيذاء سلبي، قال تعالى: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: من الآية 283). يطلب من إنسان شهادة لنجاة إنسان آخر من شر ما فنجدك للأسف الشديد تؤذي وتكتم الشهادة، وربما العكس أيضا، رجل هناك يشهد شهادة زور، والعياذ بالله رب العالمين

.ومن أسوأ أنواع الإيذاء: عقوق الوالدين، والله عز وجل يقول: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء: من الآية 23)، فلا يبيت الأب والأم باكياً أحدهما من ابنه أو من ابنته، هذا من أسوأ الأذى، كذلك من ضمن الإيذاء أن يسب المسلم المسلم، وأن يسب الإنسان إنساناً.

كل هذه صور من صور الإيذاء، والمسلم لا يعرف الأذى، فيجب أن نراعي ألا نؤذي الناس بألسنتنا ولا بأقوالنا ولا بأفعالنا، لأن المسلم عبارة عن إنسان؛ إن غاب حنّ الناس إليه، وإن مات ترحم الناس عليه. لكن لا نكن مع الناس، إن غبنا ما حنّوا إلينا، وإن متنا ما ترحموا علينا، لأننا ربما كنا نؤذيهم.

فاللهم أبعد عنا هذه الصفة يا رب العالمين، صفة الأذى، ولا تجعلنا من هؤلاء الذين يؤذون الناس بأقوالهم ولا بأفعالهم, آمين.
 

أضف تعليق